أخبار العالممقالات

التدخل الذي سيضطر له العالم

 

الشرق الاوسط
18/11/2015

 

 

بقلم: عبد الرحمن الراشد

 

 

جريمة الإرهاب في باريس الأخيرة أکدت شيئًا واحدًا معروفًا؛ ضرورة التدخل في سوريا، ووضع حدّ لهذه الفوضی التي وصلت أخطارها إلی ما وراء منطقة الشرق الأوسط. وفي «فيينا»، بدلاً من حل الأزمة بالتدخل، الفکرة المطروحة تدعو لحل سياسي ودي مثالي. لا بد أن مخترعيه يعيشون في عالم خيالي، حتی يصدقوا بإمکانية تحقيقه في بلد قُتل فيه عمدًا نحو ثلث مليون إنسان! الحل المقترح يدعو للانتقال التدريجي، مع طمأنة الرئيس السوري بشار الأسد بأنه لن يخرج إلا بعد تنفيذ مراحل متعددة قد تمتد لزمن طويل، وقد يرفض الأسد أن يغادر بعدها، وحتی لو خرج قد لا تتوقف المعارک إلی ذلک الحين!
إذن، التدخل حتمي. والتدخل المقبول اليوم ذلک الذي يتم تحت علم الأمم المتحدة، وتشارک فيه عسکريًا وماديًا معظم دول العالم المعنية، ويقيم نظامًا يجمع کل الأطراف ومکونات البلاد، ويهيئ لحکم انتخابي لاحقًا، وتنطلق فورًا علی أرض سوريا حرب دولية علی الجماعات الإرهابية، إلی أن يتم تنظيفها منهم. قد يستغرق إبعاد الأسد و«داعش»، وکل التنظيمات المسلحة الإرهابية، وغيرها، عامًا أو عامين أو أکثر، مع هذا سيبقی أفضل وأسرع الحلول، مقارنة بمشاريع «جنيف» و«فيينا». من خلال التدخل الدولي، يمکن ترتيب إعادة اللاجئين، وعون المحتاجين، ومنع الاشتباکات «البروکسية» الترکية – السعودية – الإيرانية، والحد من التورط الروسي والأميرکي.
أما الآن، فالساسة الغربيون يضيعون وقتهم، ويطيلون في «فيينا» عمر الخطر وأسبابه بمعالجات فرعية، مثل الأسد و«داعش» و«جبهة النصرة» و«أحرار الشام»، ويتسببون مع کل يوم يمر في رفع عدد الهاربين من القتل والدمار، الذين تجاوز عددهم أکثر من اثني عشر مليون لاجئ! ومئات الآلاف الهاربين الجدد يضغطون للخروج إلی ترکيا فأوروبا، وآلاف اللاجئين المنبوذين يتعرضون للتجنيد الإرهابي.
اجتماعات «فيينا»، مثل «جنيف1»، و«جنيف2»، تطيل الأزمة، وتوسع حجم خطر الحرب الأهلية السورية علی العالم، وکل ذلک بسبب جدل بيزنطي حول کيفية معالجة الأزمة السورية، من يخرج أولاً الأسد أم «داعش»؟ في سوريا يوجد نظام هو سبب الحرب، وعدو لمعظم شعبه، وصار من الضعف متهالکًا لا يستطيع حکم سوريا، ولا يقدر علی الدفاع عن نفسه، ولم تنجح في الحرب عنه بالنيابة الميليشيات التي جلبتها إيران معها من أفغانستان والعراق ولبنان. ولم يفلح الروس بتدخلهم الأخير لصالحه إلا في زيادة عدد اللاجئين، ربع مليون سوري آخر، هربوا من حلب وحماه.
وفي الوقت الذي تتسارع فيه انهيارات سوريا، يريد الإيرانيون منع التدخل الدولي بتضييع المزيد من الوقت، باقتراح حلول تعقد الأزمة.
ومن أجل السيطرة علی الوضع، التي أصبحت مطلبًا دوليًا، يحتاج المجتمع الدولي إلی أن يفهم أهمية أن يتحرک سريعًا، وأن يجمع علی العمل في سوريا من خلال إبعاد کل رموز وأسباب الأزمة؛ إخراج الأسد، وفي نفس الوقت محاربة التنظيمات الإرهابية. بمثل هذا الحل ستتطوع معظم دول المنطقة من أجله، مع قوات القبعات الزرقاء، حيث يمکن أن تتولی الأمم المتحدة إدارة الأزمة، وتصريف الأوضاع في کل سوريا حتی يتم للانتقال إلی مرحلة جديدة.
هذا الاستعجال مصدره أن سوريا صارت أکبر خطر علی العالم، من تفجيرات المساجد والساحات في الکويت والسعودية وترکيا، إلی الطائرة الروسية فوق مصر، والآن فرنسا، والأسوأ قد يکون في الطريق. ولن يمکن القضاء علی الإرهاب قبل إيقاف الفوضی والحرب هناک، وإعادة أکثر من اثني عشر مليون سوري إلی مدنهم وبيوتهم، بدلاً من البحث عن ملاجئ لهم في أوروبا وأميرکا، وغيرهما.
لقد فقد المفاوضون ترکيزهم نتيجة محاولتهم إعطاء الأطراف المتصارعة، مجالا بطرح حلول تسمح للأزمة بأن تطول إلی سنين أخری، في وقت ضربت فيه الحرب أرقامًا قياسية عالمية في مآسيها، من حيث عدد القتلی والمشردين والدمار.
وحتی لو أصغی المفاوضون إلی الحلول الإيرانية والأخری، الداعية إلی معالجة الأزمة علی مراحل، فإنهم لن ينجحوا لأن الأحداث علی الأرض أسرع منهم وخطرها تجاوز سوريا. مشروع «فيينا» يتطلب صبرًا، وزمنًا، وموافقة الأطراف المختلفة، علی وقف إطلاق النار وترتيباته، ومراقبته وبدء عملية سياسية تدريجية. وحتی لو تمت وفق جدول معقول فإنها ليست مضمونة، حيث سيرفض الأسد الخروج أو التنازل عن صلاحياته، وستُفشل التنظيمات الإرهابية کل محاولة في حينها. وبعد أن يثبت فشل مشروع «فيينا» سيجتمع المفاوضون من جديد للبحث عن حل آخر، ولکن بعد أن يکون قد طفح کيل العالم غضبًا من امتداد الإرهاب إلی عواصمهم، وتشرد ملايين آخرين يتزاحمون بحثًا عن ملاجئ لهم في العالم. حينها سيقبل الجميع بالحل الذي لو قبلوا به منذ عامين، وهو التدخل الدولي وتغيير الوضع بالقوة، لکانت سوريا أقل إشکالاً وخطرًا وإيلامًا.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.