مقالات

مادام حکم الملالي في طهران هزيمة «داعش» لن تغير من الأمر شيئاً!

 


الحياة اللندنية
28/12/2014



بقلم: خالد الدخيل



 تقول التجربة إن الحروب الأميرکية قد تکون أکبر مصادر الخطر علی حلفاء أميرکا. هذه حقيقة، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية. يعرف الکوريون والفيتناميون والأفغان ذلک جيداً. الآن هناک حرب جديدة علی تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، مضی عليها أکثر من خمسة أشهر، ولم يتضح شيء في شأنها بعد. لا أحد يعرف شيئاً عن هدفها الاستراتيجي، ولا إن کانت حرباً علی «داعش»؟ أم علی الإرهاب؟ والمربک في ذلک أنه من الممکن جداً هزيمة هذا التنظيم، خصوصاً أمام تحالف يضم أکثر من 30 دولة بقيادة أميرکا.
فهذا تنظيم معادٍ للجميع تقريباً: للعرب، وللغرب. ومعادٍ لغالبية المسلمين سنّة وشيعة، وللمسيحيين، والإزيديين، وغيرهم، الأمر الذي يجعل أو يفترض أن يجعل مهمة تقليص وجوده ودوره وصولاً إلی تدميره، کما يقول الرئيس الأميرکي أوباما، في متناول اليد. لکن تجربة الحرب علی «القاعدة» تؤشر إلی أن الأمر ليس بالسهولة التي قد تبدو عليها. فبعد أکثر من 13 عاماً لا يزال تنظيم «القاعدة» نشطاً في اليمن، والعراق، وسورية، والمغرب العربي. ضعف تنظيماً وإمکانات، لکنه ضعف لم يؤذن بنهاية التنظيم، ونهاية الإرهاب. علی العکس، تبيّن الآن أن ضعف «القاعدة» کان إيذاناً بموجة إرهابية جديدة أعتی وأکثر خطورة.


يأتي تنظيم «داعش» علی رأس هذه الموجة، وهي موجة دشنت أکبر وأخطر حرب أهلية علی أسس مذهبية في التاريخ الحديث للمنطقة العربية. أميرکا هي المسؤول الأول عن إطلاق هذه الموجة، لأنها بدأت من العراق تحت الاحتلال الأميرکي.


آنذاک سلمت واشنطن الحکم ومسؤولية إعادة بناء الدولة ليس للعراقيين کمواطنين، وإنما للقوی الشيعية التي تعاونت معها في الاجتياح کمعارضة للنظام السابق. وبالتوازي مع ذلک سمحت وبشکل لافت بتنامي النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة الوليدة.


ووصل الأمر إلی أن النفوذ الأميرکي يتراجع أحياناً أمام النفوذ الإيراني. واتضح ذلک في حال رئيس الوزراء السابق نوري المالکي. کانت إدارة أوباما تفضّل إياد علاوي لرئاسة الحکومة بعد فوزه في انتخابات 2010. لکن علاوي بالنسبة إلی طهران خط أحمر، لذلک کان من نوادر التقاليد الأميرکية في السياسة الخارجية أن تذعن، وهي الدولة المحتلة، لخيار تولي المالکي رئاسة الحکومة علی رغم خسارته الانتخابات، وعلی رغم أنه خيار إيران، الدولة التي ليست لها علاقات ديبلوماسية مع واشنطن، بل هي في حال عداء معها.


هنا تکمن خطورة السياسة الأميرکية. وهذا واضح في أن إدارة أوباما الحالية بعد انسحابها من العراق ترهن سياستها في المنطقة، وتحديداً في العراق وسورية والخليج العربي، بالاتفاق النووي مع طهران، وما يمکن أن يفضي إليه من تفاهمات إقليمية معها. في السياق نفسه، يتعامل أوباما مع الحرب علی الإرهاب في المنطقة، وعلی «داعش» تحديداً، انطلاقاً من الارتهان نفسه، أي أنه لا يريد أن يلزم نفسه بخطة واضحة الأهداف في هذه الحرب قبل أن تتضح معالم مستقبل علاقته مع إيران. الأکثر من ذلک أن التحالف الدولي ضد «داعش» سمح لإيران بالمشارکة في هذه الحرب، من دون أن تکون عضواً رسمياً في التحالف، لکنها عملياً وبمشارکتها عضو فيه (انظر صحيفة الـ«نيويورک تايمز»، 3 کانون الأول / ديسمبر الجاري).


وإذا أخذنا الاختلافات بين أميرکا وحلفائها العرب حول العراق وسورية وإيران، أمکن القول بأن التحالف ضد «داعش» يتشکل عملياً من دول لا يجمع بينها إلا أمر واحد، وهو هزيمة «داعش». ما عدا ذلک تبدو صورة الوضع غامضة إلی حد الإرباک.


وهنا مکمن الخطر. علی خلفية ذلک، لم يعد من الممکن وضع خطة أو استراتيجية واضحة تکون الحرب علی «داعش» جزءاً منها، وتکون هزيمة هذا التنظيم أحد أهدافها وليست هدفها الوحيد. لذلک ظلت هذه الحرب وقد مضی عليها أکثر من خمسة أشهر الآن غامضة، وتثير الکثير من الأسئلة التي لا يجد أحد جواباً عليها. مثلاً، ما هو الهدف من هزيمة «داعش»؟ سيقال أن هزيمة «داعش» هزيمة للإرهاب. لکن هذا يختزل الإرهاب في تنظيم واحد. ثم إن مثال تنظيم «القاعدة» وما آلت إليه الحرب عليه يقول عکس ذلک. ضَعُف تنظيم «القاعدة»، ولم ينهزم الإرهاب ولم يضعف، بل تفاقم.


الآن إلی جانب «القاعدة» هناک مئات، بل ربما آلاف الميليشيات الإرهابية. السؤال الثاني: ماذا بعد هزيمة «داعش»؟ ما الذي ينبغي فعله بعد ذلک؟ بعبارة أخری، ما هو الهدف التالي لهزيمة «داعش»؟ لا أحد يعرف إجابة علی هذا السؤال. ما هي علاقة «داعش» وظاهرة الإرهاب في العراق تحديداً بالاجتياح الأميرکي لهذا البلد، وبالدور الإيراني في هذا الاجتياح، وبالطريقة التي تمت بها عملية إعادة بناء الدولة العراقية بعد تدميرها علی يد الاحتلال؟ ثم ما هي علاقة الإرهاب الذي بدأ في العراق بالحرب الأهلية في سورية؟ تفضّل إدارة أوباما الفصل بين الحالين، وهي تعرف أنهما غير قابلتين للفصل.


يکفي أن إيران و«داعش» وأخواته، والميليشيات الشيعية عامل مشترک بين ما يجري في العراق، وما يجري في سورية. لکن کيف يمکن تفادي هذا التخبط من دون خطة، ومن دون استراتيجية؟ سؤال ثالث: لماذا يسمح بمشارکة ميليشيات شيعية عراقية وغيرها في الحرب علی «داعش»؟ هذا يؤجج الشحن الطائفي، ويزيد أوار حرب طائفية يراد إخمادها. ثم إن السماح بمشارکة هذه الميليشيات يضع شبهة لا حاجة لأحد بها، وهي أن الحرب علی «داعش» هي أيضاً حرب علی فريق مذهبي بعينه من فرق الإرهاب. وهذا ما تتردد أصداؤه الآن في المنطقة، ويمثل خطورة علی الجميع. والسماح بمشارکة ميليشيات هي في الواقع إرهابية يجعل منها عملياً حليفاً لدول تحارب الإرهاب في المنطقة.


بقاء هذه الأسئلة من دون إجابات يؤکد المؤکد، وهو أنه ليست هناک خطة، أو استراتيجية لمحاربة الإرهاب، بما في ذلک «داعش». کما ذکرت هزيمة «داعش» ممکنة جداً، لکنها لن تکون نهاية للمشکلة، بل قد تؤدي إلی استئناف جديد لها. ما لم تکن الحرب علی الإرهاب حرباً عليه کمفهوم، وسلوک، وقيم وسياسات، وتنظيمات، فإنها ستکون من الحروب التي تلد إحداها الأخری.


وتاريخ حروب أميرکا لا يطمئن کثيراً. نجحت في عاصفة الصحراء لتحرير الکويت، وفي کوسوفو إلی حد ما. لکنها فشلت في کوريا، وفيتنام، وأفغانستان، والعراق.


وأهم ما يميز حروب واشنطن الفاشلة أنها کانت من دون استراتيجية واضحة. وافتقار الحرب علی «داعش» لخطة واضحة هو ما سمح لإيران بأن تکون طرفاً مشارکاً فيها، وهي الدولة الطائفية، التي تنشئ وتتبنی ظاهرة الميليشيات الإرهابية کأداة لدورها الإقليمي في المنطقة.


تمثل مشارکة إيران أحد العوائق الآن أمام وضع خطط سياسية وفکرية وتربوية ضد الإرهاب کمفهوم، وکظاهرة تهدد الجميع. ولأن الإرهاب في مرحلته الحالية ينطلق من الطائفية، وإيران لا تستطيع محاربة الطائفية لأن نظامها السياسي تأسس عليها، وتعتاش منها في سياستها الإقليمية، فکيف يمکن وضع خطة في هذه الحال؟ المدهش أن الدول العربية المشارکة في التحالف قبلت أولاً بحرب من دون خطة واضحة بمراحلها وأهدافها، وقبلت ثانياً، أو لم تعترض علی مشارکة إيران في هذه الحرب وفقاً لأجندتها هي، وليس أجندة أحد آخر. هل يعني هذا ضرورة مقاطعة إيران؟ ليس بالضرورة.


لو کانت للتحالف استراتيجية واضحة مشترکة، لکانت مشارکة إيران في إطار هذه الاستراتيجية، وليس خارجها. لکن ليس هذا ما تريده واشنطن الآن. وکثير مما لم ترده واشنطن في حروبها السابقة تسبب في إرباکها، وإرباک حلفائها، وأخيراً تسبب بفشل حروبها السابقة. هل سيکون هذا مآل الحرب الحالية علی «داعش»؟ إذا استمرت الأمور علی ما هي عليه، لا ينبغي استبعاد ذلک.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.