عشر سنوات علی اغتياله الحريري

الشرق الاوسط
12/2/2015
لو سألنا اليوم الرئيس السوري بشار الأسد، ماذا لو عاد به الزمن إلی الوراء، هل کان سيرتکب جريمة اغتيال رفيق الحريري، أو يشارک فيها؟
في مثل هذه الأيام، وقبل عشر سنوات، قُتل الحريري. کانت جريمة سياسية هزت المنطقة، وعلامة تاريخية فارقة. قلبت المعادلات، وسالت بعدها، وبسببها، أنهار من الدماء، ولا تزال تصبغ تراب لبنان وسوريا.
لا أدري ما رأي الرئيس السوري، لکن صولجانه وحکمه تغيرا کثيرا، فهل کان اغتيال الحريري مجرد نزوة شاب صعد علی کرسي الحکم، يرفض أن يسمع کلمة «لا» من أحد، أم أنه مشروع إيراني سوري مع حزب الله، قرروا فيه التخلص من الزعامات المنافسة ولجم الخصوم؟
لا أستطيع أن أجزم إن کانت نزوة أم مشروع هيمنة، لولا أن سلسلة الاغتيالات التي تلت قتل الحريري توحي بأن الأسد، مع حزب الله، کانا يعملان ضمن مشروع لتصفية المعسکر الآخر، وربما حکم لبنان. إلا أنه في المسألة اللبنانية، تبقی الفئوية والطائفية والقوی المتصارعة، غير قابلة للترويض التام، ومتقلبة الولاءات والتحالفات. ولم تزد التصفيات الدموية، للقيادات السياسية والأمنية والإعلامية، اللبنانيين، إلا تمسکا بمواقفهم، ودفعتهم للمزيد من التخندق، وخاصة ما عرف لاحقا بمعسکر 14 آذار.
أعود إلی السؤال، عنوان الزاوية، هل کان سيفعلها الأسد لو قرأ المستقبل؟
طبعا لا ندري دواخله، إنما ما سمعناه في مقابلته الأخيرة مع الـ«بي بي سي»، يدل علی أنه عاجز عن نطق کلمتين: أعترف وآسف. رغم قتل ربع مليون سوري وتشريد تسعة ملايين، رفض أن يعترف بأي من أخطائه حتی في التعامل مع بداية الثورة. وأصر علی ترديد أنه مسؤول عن حماية شعبه ضد الإرهابيين! فإذا کان لسانه يعجز بعد عشر سنين علی اغتيال الحريري أن يعترف بخطأ معالجته للخلافات اللبنانية، ويرفض الاعتراف بأي خطأ في إدارته لمواجهة الانتفاضة السورية، رغم مرور أربع سنوات عليها، فمن الطبيعي أن نقول إنه لم يتغير أبدا.
جريمة اغتياله الحريري هي أبرز محطات حياة الرئيس السوري، هي التي وضعته في الصندوق وأغلقته عليه منذ ذلک اليوم المظلم. فقد أجبره مجلس الأمن علی سحب قواته من لبنان، وعاش أربع سنوات متهما ومحاصرا سياسيا، قاطعته حکومات کانت صديقة له مثل الخليجية والأوروبية. وصار معظم نشاط وزارة خارجيته موجها لإنکار التهم. وفي مطلع العام الخامس (2009) فرجت أزمته قليلا في قمة الکويت الاقتصادية بعد إعلان المصالحة، إلا أن الاغتيالات استمرت، لتوحي لنا أن الرئيس لم يتغير، وهو يعتقد أنه انتصر في القمة، ولم ينظر إليها کمصالحة. هذه النظرة الاستعلائية، والاستهانة بالأرواح والقيم، والاستخفاف بالقوی الإقليمية والدولية، قادته لاحقا إلی ما هو أعظم، عندما ثارت درعا ولحقت بها بقية المدن السورية التي انتفضت ضده، وها هو انتهی محاصرا في دمشق. اليوم الأسد مجرد رئيس شکلي، يوکل أمنه ومعارکه لقيادات إيرانية وميليشيات عراقية وحزب الله. من کان يتصور أن اغتيال رجل مسالم، مثل الحريري، بلا ميليشيا تحميه، ولا عشيرة تدافع عنه، سيؤدي إلی کل هذه الحروب والمعاناة؟







