تقارير
سجن صيدنايا.. جحيم الموت السوري

نقلا عن الجزيرة نت
23/7/2016
23/7/2016
“عند وصولنا سجن صيدنايا، مزقوا کافة أوراقنا الثبوتية: الهوية وجواز السفر، وحتی دفتر الخدمة العسکرية، کان تصرفا غريبا حينها، لکننا بعد ذلک عرفنا السبب؛ فنحن لن نکون بحاجة لأي أوراق بعد اليوم، نحن في حکم الأموات، ولن نحلم بأن نخطو يوما خارج باب السجن”.
جحيم لم يصدق جلال -وهو شاب ثلاثيني من ريف دمشق- أنه استطاع الخروج منه حيّا منذ أسبوعين، إلا بعد أن وجد نفسه فعلا بين أفراد عائلته، بعد أکثر من ثلاث سنوات من الاعتقال، منها عامان في الأفرع الأمنية وعام في سجن صيدنايا، وذلک بعد أن دفعت عائلته مبالغ طائلة مقابل الإفراج عنه.
سجن صيدنايا من أکبر السجون السورية، ويقع علی بعد نحو ثلاثين کيلومترا شمال دمشق، وعرف منذ تشييده عام 1987 بأنه سجن عسکري يضم آلاف الجنود والضباط المتهمين بمخالفة القوانين العسکرية.
ولم يحتفظ السجن بصفته العسکرية بعد انطلاق الثورة في مارس/آذار 2011، إذ تحول لمقر لاحتجاز آلاف المدنيين المتهمين بدعم المعارضة أو “الإرهاب” بحسب الرواية الرسمية. وبشکل شبه يومي، يُنقل إليه معتقلون، وبينهم نساء، ضمن تعتيم شبه کامل علی مصيرهم، ويجد الأهل صعوبة بالغة في معرفة مصير أبنائهم، کما يمنعون من زيارتهم إلا في حالات نادرة.
ورغم صعوبة وقساوة سنوات السجن، تمکّن جلال من الحديث للجزيرة نت عن تجربته في ذلک السجن الذي يری أنه “أسوأ ما يمکن لإنسان أن يمر به”، أملا منه في إيصال صوت وتفاصيل معاناة آلاف المعتقلين هناک.
ويتألف سجن صيدنايا من السجن الأحمر، وهو الأسوأ والأکثر قسوة، ويضم علی الأغلب المعتقلين السياسيين والمدنيين المتهمين بدعم “الإرهاب”، والسجن الأبيض المخصص للعسکريين. ويصفه جلال بأنه بناء ثلاثي علی شکل علامة مرسيدس، ويتألف کل جزء من جناحين وثلاثة طوابق، کل طابق فيه عشرون غرفة، کما يحتوي علی غرف احتجاز منفردة، ويبلغ عدد المحتجزين فيه بشکل تقديري أکثر من ستة آلاف معتقل.
ويصعب علی جلال وغيره من المعتقلين هناک توصيف السجن أو العاملين فيه بشکل دقيق، “إذ نمنع منعاً باتاً من مشاهدة أي ملمح من ملامح البناء أو السجانين”.
ويذکر جلال حادثة التقت فيها عيناه -من دون قصد- بعيني السجان من أعلی باب الزنزانة الحديدي، ليغضب السجان ويطلب منه الخروج ويوسعه ضربا لأنه تجرأ علی النظر في وجهه.

جحيم لم يصدق جلال -وهو شاب ثلاثيني من ريف دمشق- أنه استطاع الخروج منه حيّا منذ أسبوعين، إلا بعد أن وجد نفسه فعلا بين أفراد عائلته، بعد أکثر من ثلاث سنوات من الاعتقال، منها عامان في الأفرع الأمنية وعام في سجن صيدنايا، وذلک بعد أن دفعت عائلته مبالغ طائلة مقابل الإفراج عنه.
سجن صيدنايا من أکبر السجون السورية، ويقع علی بعد نحو ثلاثين کيلومترا شمال دمشق، وعرف منذ تشييده عام 1987 بأنه سجن عسکري يضم آلاف الجنود والضباط المتهمين بمخالفة القوانين العسکرية.
ولم يحتفظ السجن بصفته العسکرية بعد انطلاق الثورة في مارس/آذار 2011، إذ تحول لمقر لاحتجاز آلاف المدنيين المتهمين بدعم المعارضة أو “الإرهاب” بحسب الرواية الرسمية. وبشکل شبه يومي، يُنقل إليه معتقلون، وبينهم نساء، ضمن تعتيم شبه کامل علی مصيرهم، ويجد الأهل صعوبة بالغة في معرفة مصير أبنائهم، کما يمنعون من زيارتهم إلا في حالات نادرة.
ورغم صعوبة وقساوة سنوات السجن، تمکّن جلال من الحديث للجزيرة نت عن تجربته في ذلک السجن الذي يری أنه “أسوأ ما يمکن لإنسان أن يمر به”، أملا منه في إيصال صوت وتفاصيل معاناة آلاف المعتقلين هناک.
ويتألف سجن صيدنايا من السجن الأحمر، وهو الأسوأ والأکثر قسوة، ويضم علی الأغلب المعتقلين السياسيين والمدنيين المتهمين بدعم “الإرهاب”، والسجن الأبيض المخصص للعسکريين. ويصفه جلال بأنه بناء ثلاثي علی شکل علامة مرسيدس، ويتألف کل جزء من جناحين وثلاثة طوابق، کل طابق فيه عشرون غرفة، کما يحتوي علی غرف احتجاز منفردة، ويبلغ عدد المحتجزين فيه بشکل تقديري أکثر من ستة آلاف معتقل.
ويصعب علی جلال وغيره من المعتقلين هناک توصيف السجن أو العاملين فيه بشکل دقيق، “إذ نمنع منعاً باتاً من مشاهدة أي ملمح من ملامح البناء أو السجانين”.
ويذکر جلال حادثة التقت فيها عيناه -من دون قصد- بعيني السجان من أعلی باب الزنزانة الحديدي، ليغضب السجان ويطلب منه الخروج ويوسعه ضربا لأنه تجرأ علی النظر في وجهه.

سجن صيدنايا يبعد عن العاصمة السورية دمشق نحو ثلاثين کيلومترا (الجزيرة)
يوميات السجن
ويبدأ نهار المعتقلين في صيدنايا مع ساعات الفجر الأولی، وأصوات السجانين تأمرهم بألفاظ نابية بالاستيقاظ، يتبعها سؤالهم عن وجود أي جثث داخل المهاجع “حدا عندو فطيسة”؟ ولا يبدو هذا السؤال غريباً، إذ لا يمر يوم دون إخراج جثتين علی الأقل من غرف السجناء، حيث يحضر الجنود لنقلها ويدونون أسماء المتوفين الکاملة، ويتکرر ذلک مساء مع احتمال إخراج جثث جديدة، وهو أمر يحدث أيضاً عند قدوم معتقلين جدد إلی السجن، لتعرضهم للتعذيب في الأيام الأولی مما يؤدي إلی حالات وفاة.
“عند قدومي للغرفة جلس رئيس المهجع بجانبي وأصر علی حفظ اسمي الثلاثي واسم والدتي ومکان وتاريخ ولادتي، استغربت هذا الطلب لکنني علمت بعد ذلک أن رؤساء المهاجع مکلّفون بحفظ معلومات کافة السجناء کي يتمکنوا من معرفة هويتهم عند وفاتهم دون سابق إنذار”.
بعد التخلص من الجثث يحضر طبيب السجن ويسأل کافة المهاجع عن وجود أي حالات مرضية أو إسعافية، “هل منّا من يتجرأ علی الإجابة بنعم حتی لو کان يلفظ أنفاسه الأخيرة؟ فقط عندما نموت يُسمح لنا بالخروج لمثوانا الأخير، وقبل ذلک لن نحلم بالحصول علی حبة دواء. أُخرجتْ خلال فترة وجودي في السجن حالات إسعافية معدودة، لم نعرف إلی أين، ولم يعودوا البتة”.
ولعلّ المصير المحزن الذي لقيه بعض الذين تجرؤوا علی إظهار مرضهم وضعفهم کان الرادع الأهم لبقية السجناء لإخفاء آلامهم؛ “ففي أحد الأيام سعل أحد المعتقلين بوجود السجان الذي جن جنونه، وطلب من السجين أن يستلقي، وعندما نسمع کلمة “مستلقي” نعلم أنه إعدام فوري في المکان، واستلقی السجين النحيل ذو الجسد الضعيف، وقفز السجان الضخم وضربه علی صدره الذي تهشم تماماً، وخرج تارکاً إياه يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام أعيننا”.

ويبدأ نهار المعتقلين في صيدنايا مع ساعات الفجر الأولی، وأصوات السجانين تأمرهم بألفاظ نابية بالاستيقاظ، يتبعها سؤالهم عن وجود أي جثث داخل المهاجع “حدا عندو فطيسة”؟ ولا يبدو هذا السؤال غريباً، إذ لا يمر يوم دون إخراج جثتين علی الأقل من غرف السجناء، حيث يحضر الجنود لنقلها ويدونون أسماء المتوفين الکاملة، ويتکرر ذلک مساء مع احتمال إخراج جثث جديدة، وهو أمر يحدث أيضاً عند قدوم معتقلين جدد إلی السجن، لتعرضهم للتعذيب في الأيام الأولی مما يؤدي إلی حالات وفاة.
“عند قدومي للغرفة جلس رئيس المهجع بجانبي وأصر علی حفظ اسمي الثلاثي واسم والدتي ومکان وتاريخ ولادتي، استغربت هذا الطلب لکنني علمت بعد ذلک أن رؤساء المهاجع مکلّفون بحفظ معلومات کافة السجناء کي يتمکنوا من معرفة هويتهم عند وفاتهم دون سابق إنذار”.
بعد التخلص من الجثث يحضر طبيب السجن ويسأل کافة المهاجع عن وجود أي حالات مرضية أو إسعافية، “هل منّا من يتجرأ علی الإجابة بنعم حتی لو کان يلفظ أنفاسه الأخيرة؟ فقط عندما نموت يُسمح لنا بالخروج لمثوانا الأخير، وقبل ذلک لن نحلم بالحصول علی حبة دواء. أُخرجتْ خلال فترة وجودي في السجن حالات إسعافية معدودة، لم نعرف إلی أين، ولم يعودوا البتة”.
ولعلّ المصير المحزن الذي لقيه بعض الذين تجرؤوا علی إظهار مرضهم وضعفهم کان الرادع الأهم لبقية السجناء لإخفاء آلامهم؛ “ففي أحد الأيام سعل أحد المعتقلين بوجود السجان الذي جن جنونه، وطلب من السجين أن يستلقي، وعندما نسمع کلمة “مستلقي” نعلم أنه إعدام فوري في المکان، واستلقی السجين النحيل ذو الجسد الضعيف، وقفز السجان الضخم وضربه علی صدره الذي تهشم تماماً، وخرج تارکاً إياه يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام أعيننا”.

المعتقل السابق بسجن صيدنايا جلال وقد طلب إخفاء وجهه (الجزيرة)
ذکريات أليمة
تبدو هذه الذکريات أليمة للغاية لجلال الذي يتوقف عن الحديث لبرهة، ثم يعود ليؤکد أنه کان شاهدا علی أکثر من خمسين حالة وفاة بهذه الطريقة، “الأمر يعتمد علی مزاج السجانين، ويصبون کثيرا جام غضبهم علی السجناء ضرباً وتعذيباً، ونعتقد بأن ذلک مرتبط بهزائم عسکرية تُمنی بها قوات النظام بين الحين والآخر، وأيام عيدي الفطر والأضحی کذلک کانت تحمل لنا جولات جديدة من الضرب والتعذيب والإهانات”.
وتعتمد طريقة تقديم الطعام علی مزاج السجان، ففي معظم الأحيان يُلقی الطعام علی الأرض، أما في حال غضب السجان لسبب ما، فإنه يعمد إلی رمي الطعام علی السجناء، سواء کان مکوناً من البرغل أو الحساء أو اللبن أو البيض، أو حتی الشاي، ليخرج بعدها متجهاً للزنزانة التالية.
والطعام بالنسبة لسجناء صيدنايا يعني جمع البرغل أو اللبن أو الحساء الممزوج بالأوساخ من علی الأرض أو البطانيات، ليحظی أکثر من ثلاثين سجيناً بکمية لا تکفي ثلاثة أشخاص في الأحوال المعتادة.
ولا يعد وضع المياه أفضل من ذلک بکثير، فجلال يذکر اضطرار السجناء لتقنين استخدامهم المياه کي لا يموتوا من العطش، خاصة بعد وفاة 15 سجيناً بسبب انقطاع المياه أکثر من ثمانية أيام متتالية بشکل تام عن المهاجع.
وغني عن القول إن أي نوع من الصلاة وذکر الله وقراءة القرآن کان من المحرمات داخل السجن، وأي منها يستدعي أشد العقوبات في حال اکتشاف حدوثها من قبل السجانين، و”کانت شتيمة بشار الأسد تستدعي عقوبة أقل من عقوبة الصلاة، کنا نلتزم بالصلاة فقط بأعيننا کما کنا نتلو ونحفظ القرآن بين بعضنا همساً”.
يری جلال أن رحلته إلی سجن صيدنايا وخروجه منه أشبه بالعودة إلی الحياة من بين براثن الموت. “استُقبلت هناک بالضرب والإهانات والکلام البذيء، وعشت سنة کانت أشبه بالموت البطيء، لم کل هذا الحقد؟ لم لا ينفذون حکم الإعدام فينا فوراً؟ في کل يوم کنت أتمنی العودة إلی أي فرع أمني کنت فيه، حيث فقدت الأمل في الخروج، وکانت الأفرع الأمنية -رغم قسوتها- تشکّل بالنسبة لنا حلماً صعب المنال”.
ويطالب جلال الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الحقوقية والإنسانية أن تقوم بواجبها وتدخل إلی زنزانات صيدنايا، وتعاين وضع السجناء هناک.
ويختم جلال حديثه بالدعاء لسجناء صيدنايا بفرج قريب، “ليدعو لهم الجميع بالراحة، ولا راحة لهم سوی بالإفراج عنهم أو الموت؛ فسجن صيدنايا هو الجحيم بعينه، ولا أتمنی سوی أن يهدم علی رؤوس کل من فيه، وأولهم السجناء، لأنهم يموتون کل يوم ألف مرة”.
تبدو هذه الذکريات أليمة للغاية لجلال الذي يتوقف عن الحديث لبرهة، ثم يعود ليؤکد أنه کان شاهدا علی أکثر من خمسين حالة وفاة بهذه الطريقة، “الأمر يعتمد علی مزاج السجانين، ويصبون کثيرا جام غضبهم علی السجناء ضرباً وتعذيباً، ونعتقد بأن ذلک مرتبط بهزائم عسکرية تُمنی بها قوات النظام بين الحين والآخر، وأيام عيدي الفطر والأضحی کذلک کانت تحمل لنا جولات جديدة من الضرب والتعذيب والإهانات”.
وتعتمد طريقة تقديم الطعام علی مزاج السجان، ففي معظم الأحيان يُلقی الطعام علی الأرض، أما في حال غضب السجان لسبب ما، فإنه يعمد إلی رمي الطعام علی السجناء، سواء کان مکوناً من البرغل أو الحساء أو اللبن أو البيض، أو حتی الشاي، ليخرج بعدها متجهاً للزنزانة التالية.
والطعام بالنسبة لسجناء صيدنايا يعني جمع البرغل أو اللبن أو الحساء الممزوج بالأوساخ من علی الأرض أو البطانيات، ليحظی أکثر من ثلاثين سجيناً بکمية لا تکفي ثلاثة أشخاص في الأحوال المعتادة.
ولا يعد وضع المياه أفضل من ذلک بکثير، فجلال يذکر اضطرار السجناء لتقنين استخدامهم المياه کي لا يموتوا من العطش، خاصة بعد وفاة 15 سجيناً بسبب انقطاع المياه أکثر من ثمانية أيام متتالية بشکل تام عن المهاجع.
وغني عن القول إن أي نوع من الصلاة وذکر الله وقراءة القرآن کان من المحرمات داخل السجن، وأي منها يستدعي أشد العقوبات في حال اکتشاف حدوثها من قبل السجانين، و”کانت شتيمة بشار الأسد تستدعي عقوبة أقل من عقوبة الصلاة، کنا نلتزم بالصلاة فقط بأعيننا کما کنا نتلو ونحفظ القرآن بين بعضنا همساً”.
يری جلال أن رحلته إلی سجن صيدنايا وخروجه منه أشبه بالعودة إلی الحياة من بين براثن الموت. “استُقبلت هناک بالضرب والإهانات والکلام البذيء، وعشت سنة کانت أشبه بالموت البطيء، لم کل هذا الحقد؟ لم لا ينفذون حکم الإعدام فينا فوراً؟ في کل يوم کنت أتمنی العودة إلی أي فرع أمني کنت فيه، حيث فقدت الأمل في الخروج، وکانت الأفرع الأمنية -رغم قسوتها- تشکّل بالنسبة لنا حلماً صعب المنال”.
ويطالب جلال الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الحقوقية والإنسانية أن تقوم بواجبها وتدخل إلی زنزانات صيدنايا، وتعاين وضع السجناء هناک.
ويختم جلال حديثه بالدعاء لسجناء صيدنايا بفرج قريب، “ليدعو لهم الجميع بالراحة، ولا راحة لهم سوی بالإفراج عنهم أو الموت؛ فسجن صيدنايا هو الجحيم بعينه، ولا أتمنی سوی أن يهدم علی رؤوس کل من فيه، وأولهم السجناء، لأنهم يموتون کل يوم ألف مرة”.







