لماذا الخيار بين«داعش» و«بشار»؟

الحياة اللندنية
21/2/2015
أحمد الحناکي
خطأ کبير يقع فيه کثير من المثقفين والمثقفات عندما يعتقدون بأنهم ملزمون بأن يقفوا؛ إما مع الشرير أو مع من هو أشد شراً، هذا إذا اعتبرنا أن هناک فرقاً. الأمر ينطبق -تماماً- علی تنظيم داعش والنظام السوري اللذين لا أری أن کليهما يستحق الوقوف معه؛ فکلهم طغاة قتلوا أبرياء، وليست المحصلة بانتصار أحدهما ستکون إيجابية بأي حال من الأحوال.
بعد الحرب العالمية الثانية نشبت الحرب الباردة بين أميرکا والاتحاد السوفياتي، وهي معرکة شرسة استخدمت فيها الدولتان کل الأسلحة الفتاکة (حروباً بالنيابة، إذ لم يحاربوا بعضهم بعضاً قط) والمناورات الاستخبارية والغزو الثقافي والدعم الاقتصادي، وکلنا يعلم النتيجة التي منيت بها الدولة السوفياتية بهزيمة ساحقة لأسباب کثيرة. منها: أنها کانت تهتم بالخارج علی حساب الداخل. والعامل الآخر هو: أن ثرواتها الطبيعية لم تکن لتجاري القوة الاقتصادية الهائلة لأميرکا، فأصبحت القضية بينهما عض أصابع بعض لم يتحملها الجانب السوفياتي.
ماذا کان دور العرب دولاً وشعوباً؟ کالعادة کان هناک تناقض تام ما بين الدول العربية، وکذلک في داخل الدول نفسها من تأييد للأميرکان أو السوفيات، طبعاً انهيارُ السوفيات عجل بانهيار الأحزاب الشيوعية العربية أو أضعفها تماماً.
هذا يقودنا إلی السؤال في أعلی المقالة: لماذا کان علی الجميع الخَيَار؟ لماذا لا نتعود علی أن نکون محايدين؟ وبدلاً من مساندة طرف ضد آخر نبحث عن مصالحنا في المقام الأول؟
المثير للحيرة أن العرب بشکل ما اشترکوا في کل معضلات القضايا الدولية الراهنة، من فلسطين المحتلة -وهذا شيء مسلَّم به- إلی الأزمة اللبنانية والليبية واليمنية والتونسية والمصرية والسورية والعراقية والأوکرانية، ناهيک عن الانخراط الفعلي کما في سورية.
السعوديون جزء من العرب، وهو -للأسف- جزء مسهم وبقوة من خلال هذه الحماسة المنقطعة النظير لبعض شبابه، إن لم نقل أطفاله الذين يلجأون إلی «داعش» و«القاعدة» و«النصرة»، إذ يصبحون في فم المدفع؛ فيزج بهم في المهمات القذرة، التي تتطلب تفجيراً انتحارياً في عزاء أو مجمع تجاري أو حفلة عائلية، بدعوی أن هذا هو مفتاح الجنة.
ومن المؤکد أن کثيراً من السعوديين يتذکر التجربة الأفغانية، عندما ذهب کثير من شبابنا بدعوی الجهاد ضد السوفيات.. فماذا کانت النتيجة؟ کثير منهم قد قتل في هذه المعارک، وبعضهم استمر في أفغانستان بعد تحريرها وانخرط في الحرب الأهلية، التي دارت بين مسلمين ومسلمين، فيما عاد معظم البقية وهم محملون بسموم الإرهاب، وبدلاً من أن يضعوا خبراتهم العسکرية في خدمة وطنهم، حولوها إلی قنابل متفجرة ضد الأبرياء من مواطنيهم.
وإذ إن هناک نوعاً من التماهي معهم في البداية؛ بحکم أنهم أبناؤنا المجاهدون، فإن طريقة التعامل معهم لم تقدر خطورة ما يحملونه من أفکار، ولاسيما أن هناک من يوجههم من مريدي الداخل للأسف الشديد. وهنا اختلط الحابل بالنابل، وأصبح التحريض والتکفير وبث الکراهية ونشر الطائفية شيمتهم، وليس من العيب أن نعترف بقصور في التعامل وتقدير خطورة هذا التيار بعد أن وقع الفأس بالرأس، وعموماً أن تأتي متأخراً خيراً من أن لا تأتي أبداً.
مرة أخری، دعونا نعود ونتصور أن النظام السوري انتصر في معرکته الطويلة -علی افتراض أننا تجاهلنا أن النظام له أعداء من تيارات مختلفة-، فهو سيبدأ ببناء البلد مرة أخری، وکيف سيبنيه، وهو قد زرع الدماء في کل بيت في سورية؟ من أين له المادة، وهو قد استنزف کل الأموال السورية في حربه المجنونة؟ کيف سيصنع الثقة التي هدمها في نفوس المواطنين السوريين؟ کيف سيتعامل مع العرب والعالم، وهو الذي يعتبر نظاماً فاشياً لن يعترفوا به؟
في المقابل، الوقوف مع «داعش» و«النصرة» و«القاعدة» جنون رسمي، لا يعمله إلا معدومو الضمير والإنسانية ومدعو الدين، فضلاً عن أنهم أصبحوا -الآن- أدوات تُستخدَم للهدم والتنکيل وتمزيق الأمة العربية، وفي الأخير لن يسمح لهم أحد بالانتصار، فهم کمسمار جحا يتم بهم ترهيب الآخرين.
من الطبيعي أن يتساءل بعضنا عن البديل؟ أعتقد بأن دعم التيار المعتدل في سورية هو الحل الوحيد، علی رغم ضعفهم العسکري، إلا أنهم يمثلون ما يريده الشعب السوري الأبي.







