صراع إيران و«القاعدة» ينفجر في سوريا!

الشرق الاوسط
5/7/2012
هدی الحسيني
في السابع والعشرين من شهر مايو (أيار) الماضي، صرح إسماعيل قاءاني نائب قائد «فيلق القدس» أن «الحرس الثوري» الإيراني يعمل داخل سوريا لدعم نظام الرئيس بشار الأسد، وأنه «لولا حضور الجمهورية الإسلامية هناک، لکانت المجازر التي ترتکب بحق الشعب السوري أوسع بکثير». عن (وکالة أنباء «إيسنا» الإيرانية شبه الرسمية)، وأکد في تصريحه: «إن سوريا تشکل جغرافية المقاومة».
تعتبر تصريحاته معلومات محددة حول کيفية استخدام سوريا الآن مسرحا لصراع استراتيجي بين النظام الإيراني وتنظيم القاعدة. ويکشف ما يجري في سوريا، من نشاط إيراني، کما في مناطق أخری کثيرة من العالم (آخرها کينيا حيث تم القبض يوم الاثنين الماضي علی إيرانيين مع متفجرات کانا يخططان للهجوم علی أهداف أميرکية وبريطانية وسعودية وإسرائيلية في کينيا) أن إيران تحاول إحکام سيطرتها علی الجهاد العالمي.
خلال الأشهر الماضية، بذلت إيران جهودا حثيثة لتهدئة التوتر الذي کانت تعاني منه مع قيادة تنظيم القاعدة، وسبب التوتر الخلافات بين الطرفين حول نظام بشار الأسد في سوريا، ففي حين استثمرت إيران الکثير لمساعدة الأسد في مواجهاته ضد المعارضة، أمر زعيم «القاعدة» الجديد أيمن الظواهري بأن يوسع التنظيم نشاطه في سوريا.
تصاعد الاحتکاک بين طهران و«القاعدة» في سوريا عندما أقدمت إحدی الخلايا التابعة لـ«القاعدة» علی تفجير سيارة مفخخة أمام مکتب الأمن الإيراني في دمشق، وکان ذلک ردا علی تسليم إيران لمسؤول کبير في «القاعدة»، کان من أکثر المقربين من مؤسسها أسامة بن لادن، إلی موريتانيا.
ورغم التوتر، لا تستطيع إيران التخلي عن استخدام الجهاد العالمي، کـ«وکيل» لها، لتنفيذ هجمات في مناطق مختلفة من العالم، ولهذا تسعی إلی تسوية النزاع مع «القاعدة» حول توجه کل منهما بالنسبة إلی النظام السوري، بهدف تشديد قبضتها علی التنظيم.
لمدة سنتين علی الأقل، کانت إيران و«القاعدة» حليفين، وتوصلا إلی اتفاقات فيما بينهما، مهدت الطريق أمام تعاون لوجستي وعملي أوسع. التعاون اللوجستي شمل تمويل إيران لـ«القاعدة» والإفراج عن ناشطيها من السجون الإيرانية، بينما رکز تعاونهما العملي علی هجمات شنت في الخارج، ومع هذا فإن العلاقة بين قوتي «المقاومة» تدهورت في الأشهر الأخيرة، بسبب أوامر للظواهري، تکررت في توصيات علنية، وبالصوت والصورة، لتکثيف نشاط التنظيم في سوريا.
قيادة تنظيم القاعدة تری في سوريا ساحة نشاط رئيسية، نظرا للوضع الهش للنظام السوري، ولعدم صلابة وحدة المعارضة السورية، ثم إنها تستثمر الکثير من الجهود لتجديد نشاطها الإرهابي في سوريا. وکجزء من هذه الجهود، أنشأت تنظيما جديدا لسوريا «جبهة النصرة». هذه الجبهة تلقت مساعدات کثيرة من عناصر تنظيم القاعدة الذين يعملون انطلاقا من إيران وتحت رادار السلطات الإيرانية.
أبرز نشطاء «القاعدة» «المقيمة» في إيران والذي ساعد «جبهة النصرة»، من داخل إيران، محسن الفضلي الذي هو في الواقع رئيس تنظيم القاعدة في إيران، وبسبب انکشاف نشاطه الأخير، من المتوقع أن يغادر إيران إلی سوريا قريبا، علی أن يحل مکانه أحد الذين لم تنکشف هوياتهم بعد، وهم کثر، من أجل استمرار تنسيق نشاط «القاعدة» في سوريا من داخل إيران.
إيران التي فعلت وتفعل الکثير لمساعدة وإنقاذ نظام بشار الأسد، تعارض أي نشاط لـ«القاعدة» ضد حليفتها الأساسية دمشق، بما في ذلک أي عملية إرهابية داخل سوريا.
حاولت وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية المسؤولة عن علاقة إيران بـ«القاعدة»، وعبر أساليب کثيرة، الضغط علی قيادة التنظيم لحملها علی وقف العمل في سوريا. وکان دليل الضغط الأکبر، تسليم محفوظ ولد الوليد إلی موريتانيا في الثاني من شهر أبريل (نيسان) الماضي، بعد سنوات قضاها في سجن إيراني.
تسليم ولد الوليد، الذي کان يعتبر من المقربين من أسامة بن لادن، کان خطوة غير متوقعة وهدفها توجيه رسالة إلی تنظيم القاعدة.
أبلغت قيادة «القاعدة» إيران أن التسليم يتناقض مع بنود الاتفاق الذي أبرم بين وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية وقيادة تنظيم القاعدة في باکستان عام 2009. وحسب الاتفاق، فإن أي مسؤول کبير في «القاعدة» يفرج عنه من السجون الإيرانية يتم تسليمه إلی شبکة «القاعدة» في إيران.
ردا علی تسليم ولد الوليد، بعدما طلبت موريتانيا استرداده، أوعزت قيادة «القاعدة» إلی فرعها السوري «جبهة النصرة»، بتوجيه رسالة خاصة وارتکاب هجوم إرهابي ضد هدف إيراني في سوريا. تلقت «جبهة النصرة» الأوامر، وخلال ثلاثة أسابيع، في 24 أبريل، شنت هجوما بسيارة مفخخة خارج مکاتب «الملحق الثقافي» الإيراني وسط دمشق (يومها قال رئيس المراقبين الدوليين الجنرال روبرت مود إن تنظيم القاعدة وراء ذلک التفجير، ولحقت به واشنطن وعدة دول أوروبية).
في الثلاثين من أبريل أعلنت «جبهة النصرة» مسؤوليتها عن التفجير الذي استهدف ممثلية للأمن الإيراني تعمل تحت غطاء «المرکز الثقافي».
بهذه الطريقة أشارت قيادة «القاعدة» لإيران بأنها لن تغض الطرف عن السياسة الإيرانية، وحذرتها من أن لا تأخذ أي تدابير إضافية ضد نشاط «القاعدة».
وکما تبدو الأمور الآن، لا يبدو أن الإيرانيين ارتدعوا، لا، بل هم مستمرون في بذل کل الجهود الرامية لبسط سيطرتهم علی «القاعدة» لا سيما داخل سوريا. ولوحظ أن «جبهة النصرة» توقفت عن إصدار البيانات. وتعتمد طهران سياسة تجمع ما بين تحذير التنظيم، إضافة إلی جهود لتحسين العلاقات بينهما.
علی سبيل المثال، أبلغت وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، سوريا، أن إيران تدرس تسليمها ياسين السوري، أحد کبار النشطاء في «القاعدة» المحتجز في سجن انفرادي في طهران منذ شهر ديسمبر (کانون الأول) الماضي. وتوصلت أجهزة الاستخبارات الإيرانية والسورية إلی تقييم مشترک مفاده أن تسليم ياسين السوري إلی سوريا قد يکون بمثابة تحذير قوي إلی «القاعدة» لوقف عملياتها داخل سوريا.
ورغم کل التطورات، لم تستبعد إيران خيار استخدام نشطاء الجهاد العالمي، کوکلاء لعمليات إرهابية في الخارج، وتحاول في الوقت نفسه تعزيز سيطرتها ونفوذها علی تنظيم القاعدة.
وبالنسبة إلی الاستخبارات الإيرانية، فإن الخلاف مع «القاعدة» مؤقت ويمکن تجاوزه.
إن إيران عازمة علی مواصلة التعاون مع تنظيم القاعدة، لأنها تری في هذه الشبکة الإرهابية أداة استراتيجية، يمکنها استخدامها وإخفاء تورطها في الهجمات التي ترتکبها.
في الوقت نفسه، تعزز طهران تعاونها مع عناصر جهادية أخری تعمل في إيران. في الأسابيع الأخيرة وقعت الاستخبارات الإيرانية علی عناصر جهادية إضافية، وتتعامل معها تحضيرا لعمليات مستقبلية، خصوصا مع تشديد الحصار الاقتصادي والنفطي العالمي عليها.
بعيدا عن تنظيم القاعدة، هناک منظمات أخری کثيرة غير عربية، تعمل أيضا في إيران، وتستطيع إيران أن تطلب مساعدتها، ومن بين هذه التنظيمات، هناک الترکية، والأوزبکية والکردية.
انکشاف الصراع ما بين إيران و«القاعدة» داخل سوريا، يکشف أولا ضيق الهامش أمام «القاعدة» للتحرک في سوريا، کما يدعي النظام، بسبب «وجود الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفيلق القدس» کما أکد إسماعيل قاءاني، ويکشف أيضا أن النظام السوري الذي يرفض أي تسوية ليست «سورية الصنع»، صار هو «غير سوري الصنع» بسبب المحرکات الروسية والإيرانية!
يبقی السؤال، هل يعود العراق مسرحا لعمليات انتقامية لـ«القاعدة»، تعويضا عن المسرح السوري!







