ألم يمل الإيرانيون من المعارک؟- عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط
27/8/2012
بقلم: عبدالرحمن الراشد
مؤتمر دول عدم الانحياز في طهران احتفالية تهم الحکومة الإيرانية، التي تعتقد أنها في حاجة إلی ترميم صورتها أمام العالم، وبالدرجة الأهم أمام المواطن الإيراني الذي شهد ثلاث سنوات شوهت سمعة الرئيس والمرشد والقوی السياسية بشکل لم يحدث لهم مثله منذ قيام الثورة في عام 1979. الشائع أن أحمدي نجاد فاز رئاسيا بالتزوير، وکشف النظام عن وحشية في معاملته لأتباعه الذين تظاهروا سلميا مع فريق من النظام مثل موسوي. ولاحقا، شاهد الإيرانيون نظامهم متورطا في دعم النظام السوري الذي ملأت الشاشات جرائمه ومجازره، والآن مشروعه النووي صار يقاسم المواطن العادي ثمن خبزه ووقود سيارته وهو الذي لن يستفيد منه في نهاية المطاف.
لمؤتمر دول عدم الانحياز نافذة مهمة، مع أن المنظمة ذاتها لم تعد ذات قيمة منذ عقود، إنما هي فرصة لطمأنة المواطن القلق من الحصار وتصريحات الحرب والضرب من إسرائيل والغرب.
والمواطن الإيراني بلغ مرحلة من النضج، والملل أيضا، بحيث لم يعد فعلا يبالي کثيرا بالقضايا التي يرفعها النظام خارجيا ويقتطع من قوته لتمويلها، هو الذي يمول محاربة الغرب، وإسرائيل، ويدعم حزب الله، والقوی العراقية الموالية له. والآن في وقت تتقشف فيه الحکومة الإيرانية في نفقتها علی حاجات المواطن تدعم بمبالغ وبکرم کبير نظام الأسد الآيل للسقوط. وليس من قبيل المبالغة أو السخرية ما يقال عن جملة ضوابط وجهتها الحکومة للإعلام الرسمي بتحاشي بث صور الأکل والأطمعة والترف الرسمي علی التلفزيون، وغيرها لأنها تعرف أن الاحتقان الداخلي بلغ حد الانفجار، ربما.
وهنا من الطبيعي أن يتساءل المرء: لماذا تريد القيادة الإيرانية الاستمرار في هذه المعارک؟ ولاحظوا أن القيادة هنا مصطلح غامض، ففي السابق کان المرشد يمثل السلطة الأخيرة، وبضعة شرکاء في الرئاسة مثل هاشمي رفسنجاني يقررون للبلد سياسته وتفاصيل حياته اليومية. اليوم نحن نعرف أن المرشد لا يزال علی کرسي السلطة، لکنه لم يعد مطلق الصلاحيات، حيث يشارکه الحرس الثوري الذي کبر وصار جزءا من القرار. الرئيس أحمدي نجاد، هو الآخر، أکلت الکثير من صلاحياته، وأهين عدة مرات، حيث فرض عليه وزراء ومنع من تعيين آخرين، ورغم تهديداته واعتزاله المؤقت لم يتغير الوضع کثيرا.
والسؤال هو: لماذا يريد هؤلاء، سواء کان المرشد، أو الرئيس، أو جوقة الرؤساء، أو الضباط الخفيون في الحرس الثوري، السير في طريق المواجهات مع العالم؟ لماذا الاستمرار في سياسة مشاريع إقليمية مکلفة، في العراق وسوريا ولبنان والسودان واليمن وأفغانستان، وغيرها؟ ما الذي يصبو إليه المخططون الإيرانيون من مشاريع تستنفد أموالهم، وتعرضهم للمواجهات مع دول أکبر منهم؟ حتی لو افترضنا وقبلنا بمبررات مشروعهم العسکري النووي، رغم ضخامة فاتورته، بأنه يمثل بوليصة تأمين للنظام مستقبلا من أي تهديد. فحتی لو قبلنا بهذا الافتراض، فلماذا المواجهات في أنحاء المنطقة؟
التبرير الوحيد أننا أمام قيادة من المدرسة القديمة، تؤمن بصراع الثقافات والأنظمة، رغم أن نهاية الحرب الباردة أثبتت فشل تلک النظريات. التنافس اليوم اقتصادي وعلمي وثقافي، أما الجزء العسکري فلا يقدم الکثير من المنافع إلا لباعة السلاح. کل ما تقاتل الأميرکيون والروس من أجله في أربعين عاما من الحرب الباردة يبدو سخيفا اليوم، ففيتنام وکوبا والصين والولايات المتحدة وروسيا کلها منخرطة في علاقات کاملة. في طهران، مثلما في بعض العالم العربي، قادة يعيشون علی قراءاتهم القديمة ويؤمنون بالمؤامرات ويعتقدون أن المکاسب العسکرية والأمنية تمثل غاية الانتصار، في حين أن دولة مثل کوريا الجنوبية تهدد أسواقا کبری بتقنياتها وتحقق مکاسب أعظم مما تفعله کوريا الشمالية، التي تشبه کثيرا إيران، وتنفق کل أموالها علی المشاريع العسکرية والسياسية الفاشلة.
لو أن القادة الإيرانيين تخلوا عن طموحاتهم السياسية والعسکرية ربما بنوا دولة أکبر وأقوی مهيمنة في المنطقة، ونجحوا في فرض وجودهم دون أن يدفعوا لحزب الله أو الأسد أو الحوثيين في اليمن دولارا واحدا. وبالطبع هکذا سيکتشفها الإيرانيون في يوم ما، سيتوصلون إلی هذه النتيجة، لکن ربما بعد فوات الأوان، کما حدث لصدام ويحدث الآن للأسد.







