لمناسبة يوم 15 رمضان المبارک ذکری الميلاد الميمون للإمام الحسن بن علي المجتبی (ع)

الدر المجتبی سبط رسول الله في اختبار أشد من عاشورا
ممهد طريق عاشوراء
الواقع أن أکبر تحريف وتزييف في تاريخ صدر الإسلام حصل في ما يتعلق بحياة الإمام الحسن بن علي المجتبی عليه السلام شقيق الإمام الحسين (ع) وقائده وإمامه. القائد الثوري الکبير الذي کان عهده مليئًا بالفتن والمصائب والذي کان ممهد الطريق لعاشوراء الإمام الحسين (ع) أي الملحمة الخالدة للحرية. فإن سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي کان في جميع سنوات إمامة الإمام الحسن (ع) خاضعًا لقيادته وإمامته وهو يستعد لانتفاضة عاشوراء الخالدة. ولکن مع ذلک لا يزال عهد الإمام الحسن (ع) ظل غير معروف حتی الآن بالنسبة للعديد من الشيعة بحيث لا يزال يکتنف الغموض ما اتخذه هذا الإمام الذي فضح الدجالين من القرارات الخطيرة والتاريخية.
ولد الإمام الحسن بن علي (ع) بالمدينة في 15 شهر رمضان المبارک من العام الثالث من الهجرة النبوية الشريفة، حتی استشهد في عام 50 من الهجرة أي عن عمر يبلغ 47 عامًا علی الصحيح المشهور بين الخاصة و العامة. فلما ولد الحسن قالت فاطمة لعلي سمه فقال ما کنت لأسبق باسمه رسول الله صلیالله عليه وآله فجاء النبي صلیالله عليه وآله فأخرج إليه فقال: اللهم إني أعيذه بک وولده من الشيطان الرجيم وأذن في أذنه اليمنی وأقام في اليسری وفي أسد الغابة عن أبي أحمد العسکري سماه النبي صلی الله عليه وآله حسنًا ولم يکن يعرف هذا الاسم في الجاهلية. وروی الکليني بسنده عن الصادق عليه السلام قال عق رسول الله صلیالله عليه وآله عن الحسن بيده وقال باسم الله عقيقة عن الحسن وقال اللهم عظمها بعظمه ولحمها بلحمه ودمها بدمه وشعرها بشعره اللهم اجعلها وقاء لمحمد وآله. و في أسد الغابة بسنده عن أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب أنها قالت يا رسول الله رأيت کان عضوا من أعضائک في بيتي قال خيرا رأيت تلد فاطمة غلاما فترضعينه بلبن قثم فولدت الحسن فأرضعته بلبن قثم.
عن الغزالي في الإحياء والمکي في قوت القلوب أن النبي صلی الله عليه وآله قال للحسن عليه السلام أشبهت خلقي وخلقي. و قال المفيد في الإرشاد کان الحسن عليه السلام أشبه الناس برسول الله صلیاللهعليه وآله خلقًا وهيئة وهديا وسؤددا. و في أسد الغابة بسنده عن أنس بن مالک لم يکن أحد أشبه برسول الله صلی الله عليه وآله من الحسن بن علي و روی البغوي الحسين بن مسعود في کتابه مصابيح السنة عن أنس بن مالک مثله و زاد: و قال في الحسين أيضا کان أشبههم برسول الله صلیالله عليه وآله.
ذکر غير واحد من العلماء أن الحسن عليهالسلام کان من أوسع الناس صدرا و أحسنهم خلقا.و قال المدائني: کان الحسن عليهالسلام أکبر ولد علي وکان سيدًا سخيًا حليمًا وکان رسول الله صلی الله عليه وآله يحبه.
وروی الصدوق في الأمالي بإسناده عن الصادق عن أبيه عن جده عليهالسلام أن الحسن بن علي بن أبي طالب کان أعبد الناس في زمانه و أزهدهم و أفضلهم وکان إذا حج حج ماشيًا وربما مشی حافيًا، و لا يمر في شيء من أحواله إلا ذکر الله سبحانه و کان أصدق الناس لهجة وأفصحهم منطقًا وکان إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه و يقول إلهي ضيفک ببابک يا محسن قد أتاک المسيء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندک يا کريم.
العقد بين الإمام الحسن ومعاوية
وتم عقد الهدنة بين الإمام الحسن بن علي ومعاوية علی أن لا يسميه بأمير المؤمنين ولا يقيم عنده شهادة و أن لايتعقب علی شيعة علي شيئا و يؤمنهم و لا يتعرض لأحد منهم بسوء و يوصل إلی کل ذي حق منهم حقه و أن يفرق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل وصفين ألف ألف درهم و أن يجعل ذلک من خراج دارابجرد من بلاد فارس. وکان فيما شرطه أن يترک سب أمير المؤمنين و القنوت عليه في الصلاة. وقال ابن الأثير إنه لم يجبه إلی الکف عن شتم علي فطلب أن لا يشتم و هو يسمع فأجابه إلی ذلک ثم لم يف له به أيضا وعاهد معاوية الحسن علی ما تم بينهما من الشروط وحلف له بالوفاء وکتب بينه وبينه بذلک کتابا ثم لم يف له بشيء مما عاهده عليه.
وليس لمعاوية أن يعهد إلی أحد من بعده عهدا علی أن الناس آمنون حيث کانوا من أرض الله تعالی في شامهم و يمنهم و عراقهم و حجازهم و علی أن أصحاب علي و شيعته آمنون علی أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث کانوا وعلی معاوية بذلک عهد الله و ميثاقه وعلی أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من بيت رسول الله صلیاللهعليه وآله غائلة سوء سرًا و جهرًا و لا يخيف أحدا منهم في أفق من الآفاق شهد عليه بذلک فلان و فلان وکفی بالله شهيدًا.
التسوية أم الحفاظ علی الحرکة؟
تم إبرام العقد بين الإمام الحسن ومعاوية في ربيع الأول من عام 41 من الهجرة النبوية الشريفة. حقًا في تلک الظروف القاسية والحالکة أصبح العقد المذکور يفضح الدجال في الدرجة الأولی وکان «عهدًا للحفاظ علی الحرکة وضمانًا لتواصلها» ولم يکن «عهدًا للعفو والتسامح والتسوية». کما کان هذا العقد بمثابة بلاغ تاريخي أخير مهد الطريق نحو انتفاضة عاشوراء الحسين (ع) أي ملحمة الحرية الخالدة بعد مرور عقدين من الزمن، مع أن توقيع عقد أو اتفاقية مع معاوية کان بالنسبة للإمام الحسن (ع) أصعب وأقسی اختبار وأشد من عاشوراء.
لقد ذهب الإمام الحسن (ع) لحج بيت الله الحرام ما مجمله 25 مرة ماشيًا علی أقدامه. وقد سخا مرتين جميع ما کان يملکه ونصّفه ثلاث مرات بينه وبين الفقراء.
هذه هي الصورة اللامعة لقائد وإمام مضح ومتفان وذکي وصبور بأعلی درجة من الحماس والروح الثورية، وهي الصورة التي يشوهها الأعداء الواعون بتهمهم المتعمدة والأصدقاء غير الواعين بکل مرارة وفي الغربة بشکل من القعود والتسيس النفعي.
فندعو ونسأل الله العلي القدير أن يجعلنا مستحقين لمواصلة دربه ويبدو أن مهمتنا وعهدنا اليوم هي المسيرة ذاتها تمامًا التي شقها الإمام علي بن أبي طالب أولاً ثم الإمام الحسن وبعده الإمام الحسين عليهم السلام.







