تقارير

ضابط کبير سابق في الإستخبارات الأمريکية: هذه هي أزمة نظام الأسد

 



وطن الدبور
30/5/2015
بقلم: جيفري وايت
 
في الأسبوع الماضي تعرّض نظام الرئيس السوري بشار الأسد لهزيمتين کبيرتين علی يد قوتين مسلحتين مختلفتين من المعارضة: الأولی علی يد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية» في مدينة تدمر في محافظة حمص الشرقية، والثانية علی يد قوات «جيش الفتح» التي خسر النظام في وجهها آخر موطئ قدم رئيسي له في محافظة إدلب. وفي حين أنّ هاتين الهزيمتين لا تشيران إلی أي سقوط وشيک للنظام، إلاّ أنّهما تشيران إلی أنّ الحرب تسير ضدّه وأنّ فترة رکود طويلة قد بدأت علی الأرجح، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلی انهيار الدولة أو انکماشها.
وسوف يحارب النظام وحلفاؤه رداً علی عمليات هذه القوات وسيحظی ببعض النجاحات علی بعض جبهات الحرب، ولکن، بعد أربع سنوات من القتال، بدأت عوامل أساسية في الصراع الدائر تميل ضد النظام وضد قدرته علی إصلاح الخلل في التوازن. ولوقف ذلک أو عکسه، ستدعو الحاجة إلی حصول تغييرات کبيرة في الوضع، بما في ذلک: التحوّل إلی استراتيجية الدمج، أو زيادة کبيرة في تخصيص حلفاء النظام لقواتها في القتال، أو عکس الاتجاه التصاعدي الذي تتخذه قدرات الثوّار، أو تدخّل دبلوماسي خارجي لتجميد النزاع أو حلّه.
عناصر فشل النظام من الناحية العسکرية
تحليل نقاط القتال إلی خمسة عوامل رئيسية وراء تراجع النظام من الناحية العسکرية.
فشل الاستراتيجية. لطالما اعتمدت استراتيجية النظام العسکرية علی قدراته علی التسبب باستنزاف أکبر لأعدائه، وحشده المزيد من الموارد، واحتفاظه بمواقع رئيسية. وقد عملت هذه المقاربة جيداً لصالح النظام في السابق، ولکن، کما هو مبين أعلاه، بدأت هذه الاستراتيجية تلوح بالفشل؛ فالتقيد بها يکلّف النظام کثيراً. وعلی وجه الخصوص، ينشر النظام قواته علی نحو غير کاف، مما يجعلها عرضة إلی العزلة والهزيمة في الوقت الذي يعزز فيه قوة أعدائه.
فشل العمليات. تعاني قوات النظام من فشل علی المستوی العملياتي. فقد حققت الهجمات التي شنّها النظام جنوب غرب دمشق والمناطق المحيطة بحلب هذا الربيع القليل من المکاسب، في حين تسببت بوقوع خسائر کبيرة له. وفي المقابل، لم تتوّج عملياته الدفاعية في إدلب وشرق حمص بالنجاح، مما أدی إلی خسارته مواقع رئيسية، ومرة أخری مع خسائر کبيرةً للنظام وخسارة في الأسلحة والذخائر. ويستثنی من ذلک الهجوم الحالي في منطقة القلمون، الذي يُعتمد فيه في المقام الأول علی قوات «حزب الله» وعلی التخطيط والعزم. وهنا تؤدي قوات النظام دوراً مسانداً صارماً عبر شنّ الغارات الجوية وتوفير الدعم بالمدافع، ولکنها لا تشارک في المعارک البرية العنيفة.
فشل القوات. بالإضافة إلی تعثّر العمليات، تتعرّض قوات النظام للهزيمة في عمليات فردية. ويبدو أنّ وحدات الجيش النظامية وغير النظامية علی حدّ سواء تفتقر إلی الروح الهجومية، وحتی أنها تظهر علامات عن دفاع فاتر. وحتی المواقع الدفاعية القوية مثل وادي الضيف والحميدية ومعسکر المسطومة في محافظة إدلب سقطت بسرعة مذهلة. کما أن نأنأالصيغ التکتيکية القديمة التي کان النظام قد بناها علی أساس تفوّقه في الأسلحة الثقيلة والقوة الجوية، لم تعد تسفر عن النتائج الإيجابية نفسها. ومن جهة أخری، ما زالت وحدات النظام، مثل تشکيلات “الحرس الجمهوري” و “قوات النمر” و”صقور الصحراء”، قادرةً علی القتال الفعلي، إلاّ أنّ هذه الوحدات تمثّل علی الأرجح أقلّ من 10 في المائة من القوات السورية وليس لديها سوی قدرة محدودة للتأثير علی الوضع العسکري علی النطاق الواسع.
تحسّن قدرات معارضي النظام. أصبح معارضو النظام أکثر قدرة بکثير ممّا کانوا عليه في أواخر عام 2012، وهي المرة الأخيرة التي شکّلوا فيها تهديداً خطيراً علی النظام.
وفي حين لا يزال النظام متفوقاً في بعض النواحي مثل الطائرات والمدرعات الثقيلة والمدافع، أصبحت الآن قوات المعارضة مدججةً بأسلحة انتزعتها من قوات النظام وببعض الأنظمة الأساسية (علی سبيل المثال، الصواريخ الموجهة المضادة للدروع) المقدمة لها من مصادر خارجية. وعادة ما تتضمن عمليات الثوار الهجومية الرئيسية “أسلحةً مندمجةً” تشمل دبابات ومدافع وقذائف هاون وغيرها من الأسلحة الثقيلة إلی جانب قوات المشاة.
کما أن التنسيق والتعاون بين قوات الثوار قد تحسّن إلی حدّ کبير، وخاصة في شمال البلاد وجنوبها. فقد أصبح الثوّار يعملون بشکل متضافر في بعض الأحيان، وفي أماکن، وعلی نطاق لم يتمکنوا من القيام به من قبل. وخير أمثلة علی ذلک هم: «جيش الفتح الإسلامي» في محافظة إدلب وحلفاؤه، و«الجبهة الجنوبية» في الجنوب. يُضاف إلی ذلک قدرة تنظيم «الدولة الإسلامية» علی تطبيق استراتيجيته الخاصة بعمليات مدروسة جيداً ضد قوات النظام في شرق البلاد. وبالتالي، لم يسبق قطّ أن واجه النظام في هذه الحرب قوات قادرةً ومتناسقةً في شرق وشمال وجنوب البلاد.
لقد تحسّنت قدرة الثوّار علی احتلال مواقع النظام والاحتفاظ بتلک التي يسيطرون عليها. ففي هجوم إدلب، استولی الثوّار علی عدد من المواقع الدفاعية التکتيکية للنظام تراوحت بين نقاط تفتيش صغيرة ونقاط حصينة کبيرة، فضلاً عن مناطق حضرية (إدلب، جسر الشغور، أريحا) طالما کانت في جعبة النظام. ويشير ذلک إلی تحسّن الأداء العملياتي والتکتيکي لقوات الثوار، ويعود ذلک جزئياً إلی کونها أفضل تسليحاً وأفضل قدرة علی تنسيق استخدامها، بالإضافة إلی تحسّن المؤهلات القتالية لوحدات الثوار. أما من حيث الانضباط والتماسک والقيادة والتحفيز، فيبدو أن بعض قوات الثوار وقوات «داعش» بشکل عام تتفوق علی قوات النظام النظامية وغير النظامية. وغالباً ما يترجم ذلک بهزيمة قوات النظام علی أرض المعرکة، إلاً في الحالات التي تتواجد فيها وحدات عالية الکفاءة تابعة للنظام أو حلفائه.
وأما لوجستيات المعارضة المسلحة التي لطالما کانت نقطة ضعفها، فيبدو أنها قد تحسنت إلی درجة تمکّنها من شن عمليات هجومية متواصلة. وقد نتج ذلک عن تحسّن المساعدات الخارجية التي يُعتقد أنها تأتي من ترکيا والمملکة العربية السعودية وقطر، بالإضافة إلی قدرة المعارضة علی الحصول علی غنائم کبيرة من السلاح والذخيرة من قوات النظام عند إلحاق الهزيمة بها في المعارک. والجدير بالذکر، أنّ معظم الأسلحة الثقيلة الموجودة بين أيدي المعارضة هي في الواقع غنائم حربٍ استحوذت عليها إما في سوريا، أو في حالة تنظيم «الدولة الإسلامية»، في سوريا والعراق.
الفشل في المعارک. يشن النظام عمليات أقل نجاحاً علی أرض المعرکة، باستثناء المعارک التي يتلقی فيها الدعم من القوات الحليفة أو حيث تکون هذه الأخيرة في الطليعة، کما هو الحال في عمليات القلمون المستمرة التي يقودها «حزب الله».
وکما أشرنا سابقاً، فقد عانی النظام مؤخراً من سلسلةٍ من الهزائم الهامة في محافظة إدلب عندما واجه مجموعةٍ من قوی الثوار التي يهيمن عليها الإسلاميون، وفي شرق محافظة حمص عندما واجه تنظيم «داعش». وفي کلتا الحالتين، شنّ معارضو النظام عمليات تتضمّن سلسلة من المعارک لإلحاق هزائم استراتيجية بالنظام. وفي إدلب، تضمنت هذه العملية إطلاق معارک ناجحة في مدن إدلب وجسر الشغور وأريحا. وفي شرق حمص هُزمت قوات النظام من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية» في السخنة وتدمر.
لا أثر: تدهور قدرات النظام: إن القدرات العسکرية للنظام آخذة في التناقص. وقد حال تدخل حلفاؤه دون تحوّل التدهور إلی هلاک، لکنّ هذا الوضع قد يکون غير مستدام. فهجمات النظام لا تُکلل بالنجاح إلا عندما تتدخل قوات «حزب الله» مباشرة، مع أنّ طلائع ربيع 2015 قد أظهرت أنّه حتی تدخلها لا يضمن النجاح، کما حدث في المعارک التي دارت جنوب غرب دمشق. وفي حالات الدفاع، يُعدّ وضع النظام أفضل حالة، مع أنّه عانی من خسائر کبيرة في المعارک الدفاعية الأخيرة في محافظات إدلب وحمص ودرعا.
تغيّر قواعد اللعبة
تميّزت الحرب في سوريا بتقلّباتها والتواءاتها الکثيرة: فقد بدا الثوّار علی وشک الهزيمة في أوائل عام 2012، ثم ظهر وکأن النظام هو الذي کان علی وشک الهزيمة في أواخر 2012. وبعد ذلک، أبلی النظام بلاءً حسناً في عام 2013 وفي جزء من 2014، وها هو الآن يترنح في 2015. وفي حين يبدو أن النظام علی وشک دخول فترة رکود طويلة، لا يزال بإمکانه تحسين موقعه بفضل عدد من المتغيرات.
يمکن أن يغير النظام استراتيجيته عبر سحب القوات من المواقع الضعيفة التي ليست لها أهمية عسکرية حاسمة. ويتضمن ذلک قواته المتمرکزة في محافظات الحسکة ودير الزور وفي المناطق البارزة في محافظتي درعا وإدلب وربما حتی في محافظة حلب. ويمکن استخدام هذه الموارد والقوات المذکورة لتدعيم الدفاعات في مناطق أکثر أهمية أو للقيام بعمليات هجومية. إلا أنّ هذا التعزيز الذي يمثل تغييراً کبيراً في استراتيجية النظام قد يعني التضحية بثلاث أو أربع عواصم محافظات وبالقوات المحلية التي تعمل مع النظام. وعلی الرغم من أن هذا الخيار غير مستساغ سياسياً، فثمة احتمال کبير أن يصبح ضرورياً.
أما حلفاء النظام، فيمکن أن يؤمّنوا له بدورهم قواتٍ إضافية للتعويض عن خساراته وتعزيز قدراته القتالية. وقد بدا أنّ خطاب الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله في 24 أيار/مايو يظهر النية في تخصيص المزيد من القوات. وتزعم مصادر معارضة أن «حزب الله» قد زاد عدد قواته بالفعل في سوريا. کما أن إيران يمکن أن ترتب أمر توفير المزيد من العناصر من العراق وأفغانستان ودول أخری، کما يمکن أن تخصص المزيد من عناصرها الخاصة لهذه الغاية. ومثل هذه الخطوات يمکن أن تحقق استقراراً في الوضع العسکري للنظام وأن تسمح له، مع ازدياد عدد العناصر، بالانتقال إلی وضعية الهجوم. بيد أن معارضي النظام الخارجيين قد يواجهوا انتصارات النظام بزيادة دعمهم للثوار.
وقد کانت زيادة تضافر الجهود إحدی الرکائز الأساسية للانتصار الذي أحرزه الثوار مؤخراً. وإذا انهار هذا التضافر، فسوف يصبح الثوار أقل قدرة علی النجاح في شنّ عمليات عسکرية مستحکمة ضد النظام. غير أنّ النظام لا يمکن أن يؤثر بسهولة في تحقيق مثل هذه النتيجة بقدراته الخاصة. وبغض النظر عما سيحدث لقوات المعارضة الأخری، سيبقی نشاط «داعش» هادفاً وفعالاً للغاية.
ويمکن أن يستفيد النظام أيضاً من عملية تفاوض جادة، وخصوصاً إذا کانت تتضمن وقفاً لإطلاق النار تمنحه ما يکفي من الوقت للاستراحة والتجدد وإعادة تنظيم صفوف قواته. وتوحي حماسة الکثيرين في الغرب والأمم المتحدة للتوصل إلی “حل سياسي”، واحتمال معاناة الشعب السوري والمقاتلون من الإرهاق التام، بأنّ هذه المفاوضات تشکّل علی الأقل احتمالاً وارداً.
التوقعات والخلاصة
علی المدی القريب، يرجح أن يعاني النظام من تراجعات إضافية في محافظات إدلب وشرق حمص، حيث أن الوضع في حمص يبدو أکثر خطورة. وإذا ما قرر تنظيم «الدولة الإسلامية» الاستيلاء علی مواقع النظام في دير الزور، فمن المرجح أنه سينجح في انتزاع المحافظة بأکملها من النظام.
وعلی المدی المتوسط، قد تشهد الساحة تزعزعاً في موقع النظام في غرب محافظة حلب أو خسارته له بالإضافة إلی تآکل إضافي في مواقعه في کل من شمال حماة وشرقها. وعلی الرغم من أن هزيمة النظام في حلب ستکون أکبر ضربة قد يتلقاها، إلا أنها لن تعني بالضرورة انتهاء الحرب.
وعلی المدی الطويل، سوف تتقدّم الحرب بصورة أکثر نحو مناطق أساسية يسيطر عليها النظام، من بينها محافظة اللاذقية ومحافظات غرب حماة وحمص، بالإضافة إلی مواقع داخل مدينة دمشق وحولها. وسوف يحاول النظام جهده للحفاظ عليها وستکون انتصارات الثوار مکلفة له، خصوصاً إذا وفر حلفاء النظام تعزيزات لدعمه.
وتبدو آفاق النظام القريبة منها وحتی البعيدة عنها مظلمةً، حتی لو أمکن إنقاذه بفضل تضافر العوامل المذکورة سابقاً. وسيکون الوضع علی الأرجح عبارة عن تدهورٍ مطوّل يتميّز بالمعارک الخاسرة والمواقع المفقودة والاستنزاف الذي لا يمکن تعويضه. وفي الوقت نفسه، يبدو أنّ معارضي النظام مستعدّون لخوض حرب طويلة وتحقيق نجاحات متزايدة علی أرض المعرکة في سوريا.
لقد اعتاد صانعو السياسات الأمريکيون علی القول بأنّ لا حل عسکري للصراع السوري، ولکن في الواقع يلوح مثل هذا “الحلّ” في الأفق. ومن المرجح أن تنتصر مجموعة من معارضي الأسد المسلّحين، أي أن تبعد النظام عن الوجود أو أن تحوّله إلی بقايا دولة صغيرة يحميها «حزب الله» علی ساحل البحر المتوسط. وفي النهاية، قد يدمّر معارضو النظام ما يتبقی من هذه الدولة الرديفة التي ستکون علی الأرجح منعدمة الاستقرار وغير قادرة علی الصمود.
وسوف تنتج التطورات العسکرية وضعاً سياسياً جديداً في سوريا يحتاج المنتصرون فيه، الذين لن يکون الأسد من بينهم علی الأرجح، إلی ترتيبه. ويصعب تحديد ماهيّة هذا الوضع السياسي، لکنّه سيکون بالتأکيد معقّداً، وعلی الأرجح عنيفاً.
 
جيفري وايت هو زميل للشؤون الدفاعية في معهد واشنطن وضابط کبير سابق لشؤون الاستخبارات العسکرية

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.