لا عدالة.. حيث لا حقيقة- طارق الهاشمي

الشرق الاوسط
6/9/2012
بقلم: طارق الهاشمي نائب رئيس جمهورية العراق
قبل أسابيع وتحديدا في الرابع عشر من أغسطس (آب) الماضي انعقدت الجلسة السابعة لمحاکمتي وأفراد حمايتي، ونشرت الصحف نص ما دار في هذه الجلسة، وما وجه لأفراد حمايتي من اتهامات باطلة، ومما جاء في إفادات المتهمين – الشهود من أفراد حمايتي ارتکابهم جرائم قتل کان ثمن الجريمة الواحدة 200 – 300 دولار، علی أساس أني دفعتها لهم شخصيا، يدا بيد، يا الله… بينما عندي مئات الموظفين وعشرات المحاسبين وأمناء الصندوق کان من السهولة تکليفهم بهذه المهمة والتکتم عن سبب الدفع أو تبويبه لأبواب صرف أخری، ولست أدري لماذا يکون نائب رئيس الجمهورية خصوصا الهاشمي بهذه السذاجة ويقدم الدليل علی نفسه في عدد من الجرائم ربما تجاوزت 300 جريمة وعلی مدی سنوات، حسبما ذکر الناطق الرسمي باسم مجلس القضاء العراقي الذي لم يبق منه إلا اسمه، وبات عنوانا بلا مضمون. والمشتکی إلی الله، اسأل الذين تعاملوا مع الهاشمي وعرفوه عن قرب من کل الأطياف والألوان في الماضي والحاضر، هل هذه هي شخصية الهاشمي معلم الأرکان ومدرس فن الحرب؟!
أوراق التحقيق – بما تضمنته من اعترافات انتزعت بالإکراه – أشارت إلی أن الهاشمي کان يکافئ کل من ارتکب جريمة من أفراد حمايته باحتفالات کان يراعي فيها المراسم البروتوکولية المعتادة؛ حيث يستدعي القتلة المفترضين إلی مکتبه وأمام مستشاريه وسکرتيره الشخصي وکبار مسؤولي الحماية وضباط الأمن الشخصي وکان الهاشمي نائب الرئيس يوزع علی القتلة کتب الشکر مع مبلغ من المال، لم لا.. المناسبة جديرة بالاحتفال وتکريم القتلة من مهام نائب الرئيس، ورئاسة الجمهورية في العراق ومکتب نائب الرئيس علی وجه الخصوص، هم ليسوا رجال دولة حامين للدستور والنظام بل عصابة من القتلة فرضت نفسها علی العملية السياسية عن طريق المافيا وليس عن طريق صناديق الانتخاب.. ربما نسي المحققون أن عزف السلام الجمهوري أو دعوة ممثلين عن ديوان الرئاسة أو کبار الساسة والزعماء السياسيين أو ربما ممثلي الأمم المتحدة في العراق ضروري في مثل هذه المناسبات.. وبالتالي کيف تستقيم الاحتفالية دون ذلک.. لا أدري عن هذا النوع المبتکر من الکوميديا السوداء.. ليس إلا.
من مبادئ القانون الجنائي أن لکل جريمة دافعا، وفي هذا المجال لا أناقش إن کان لدي أو لدی حمايتي دافع لقتل موظف حکومي أو محامية أو ضابط أمن أو قاض أو إمام مسجد أو ناشط في الحزب الإسلامي أو محافظ أو شيخ عشيرة أو.. أو… شخصيات لا نعرفهم ولم نسمع عنهم ولم نلتق بهم ولم تجمعنا صدفة أو مناسبة أو مصلحة أو خصومة بهم.. لماذا إذن نقتلهم؟ لا أدري.. هذا جانب. ومن جانب آخر، إذا لم يکن الدافع شخصيا، فربما يکون الدافع ماديا، وأن حماياتي ما هم إلا قتلة مأجورون، وفي هذه الحالة لست أدري إن کان مبلغ 200 – 300 دولار يشکل رقما مغريا وکافيا للمجازفة بتقديم رقبة قاتل محترف للمشنقة، آخذين بنظر الاعتبار أن رواتب أفراد الحمايات تتراوح بين 750 – 1500 دولار شهريا. طبعا الدفع بالدينار العراقي وليس بالدولار ولست أدري لماذا اختار المحققون في الاعترافات المفروضة قسرا العملة الأميرکية.. ربما العملة التي يتعامل بها القتلة المأجورون عادة هي العملة الدولية وليس الوطنية.. لست أدري.
وإذا لم يکن هؤلاء کما قدمهم قضاء المالکي ووصفهم إعلامه المغرض باعتبارهم قتلة مأجورين يقتلون مقابل المال، إذن البديل المحتمل أن يکون هؤلاء مجاهدين، والذي نعلمه أن هؤلاء يقتلون الناس حسب معتقداتهم لا طلبا للمال وإنما أملا بالفردوس الأعلی والضيافة عند رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وفي هذه الحالة هل يعقل أن هؤلاء يستبدلون الذي هو أدنی بالذي هو خير، الذي يقتل في سبيل الله لا تستهويه مادة صغرت أم عظمت، بل هو يقدم أغلی ما عنده وإن تطلب الأمر.. حياته.. وهکذا تصبح قضية 200 – 300 دولار مسألة محيرة يستحيل قبولها أو هضمها تحت أي ظرف کان.. لأنها ببساطة محض کذب.
نعم، لدي دافع حقيقي للقصاص من قتلة أشقائي وأحسبهم شهداء عند الله سبحانه، شقيقتي الحاجة ميسون الهاشمي وأشقائي عامر ومحمود.. لکن القتلة ما زالوا أحرارا طلقاء لسبب بسيط وهو أني لم آخذ بثأر إخوتي علی الرغم من أنه سلوک مشروع خصوصا عندما تتستر أجهزة الحکومة علی القتلة. إذا کان من خلقي أن أصفي خلافاتي مع الآخرين بالقتل لسعيت لقتل من قتل إخوتي، أو أجتهد لقتل المالکي خصمي السياسي اللدود، مثل هذا القتل سيکون له دافع ومغزی، ولا أدري لماذا لم أفعل ذلک؟ واخترت کبديل أن أقتل موظفا أو شرطي مرور أو محامية أو قاضيا… إلخ إذا کان لدي القتلة المدربون، ولدي الغطاء الرسمي، ولدي المال، ولدي السلاح والأکثر من ذلک لدي الدافع.. ولدي المعلومة عمن قتل إخوتي.. إذن لماذا لم أبادر بقتلهم؟ السبب الوحيد لأني لا أؤمن بالعنف حتی ثأرا ممن قتل أهلي وحرمني منهم. لقد ترکت القصاص لله الحاکم العدل. والمقربون مني يعلمون أني حتی لم أتابع نتائج التحقيق ولم أعترض عندما قيدت الجرائم ضد مجهول، بينما نفذ المجرمون جرائمهم في وضح النهار وتحت الشمس وأمام الناس. والمالکي وزمرته يعرفون ذلک ويتکتمون عليه.
هذا غيض من فيض، وما أفرزه التحقيق المسيس، مضحک مبکي، ومن يرفض الانصياع لإرادة الأجهزة الأمنية والمحققين في ترديد اعترافات باطلة معدة سلفا يقتل، کالشهيد عامر البطاوي مثلا، الذي قتل بسبب التعذيب المفرط، وسلمت جثته لأهله وفيها نزف واضح من جميع مخارج الجسم، ولم تصدر شهادة بوفاته من الطب العدلي حتی الآن ورفض طلب العائلة بتشريح الجثة وما قيل عن فشل کلوي لم يعلن بيان أسبابه والأطباء يعلمون أن الشد والضرب المبرح يقود إلی ذلک والشهيد – بإذن الله – کان موفور الصحة والعافية، إلی جانب ذلک رفض القضاء متابعة الموضوع علی الرغم من اعتراض اللجنة النيابية لحقوق الإنسان.
لاحظت أن بعض أفراد الحماية کرروا أمام المحکمة نفس الأقاويل والادعاءات التي کانوا قد ذکروها أمام الهيئة التحقيقية، استغربت وتعجبت، لسبب أن هذه الاعترافات علی الرغم من أنها کاذبة ومفروضة عليهم فإنها ستقودهم إلی حبل المشنقة بينما هم أبرياء، جاءت الإجابة من عوائلهم أن أبناءهم يفضلون الموت علی التعذيب!!! ويا هول ما يتعرضون له! سألنا کيف؟ جاءت الإجابة «التهديد بالاغتصاب». التهديد بالتعدي علی المحارم، الأم أو الأخت أو الزوجة، تسليط فولتية کهرباء عالية علی مناطق حساسة في الجسم، الأعضاء التناسلية!! أو الأذنين!! حيث يتعرض الإنسان کما علمت إلی کم هائل من الانفعالات العصبية والنفسية التي لا يمکن وصفها أو تحملها أو السيطرة عليها، العبث بمخارج الجسم بطريقة مقززة ومهينة.. لهذا السبب کان المرحوم عامر البطاوي ينزف من جميع مخارج جسمه.
هذا نمط من الوسائل المستخدمة في التحقيق وأکده متبجحا أحد المتورطين بالتعذيب من منتسبي الأجهزة الأمنية وأحتفظ باسمه عندما قال محاولا زرع الخوف في قلوب المعارضين «لا يصمد أمامنا أحد، ولدينا من الوسائل ما يمکن أن تجبر أي شخص بالاعتراف بأي جريمة»، ومضی قائلا، «رشح لي من تشاء وأتعهد لک بإجباره وخلال خمس عشرة دقيقة بالاعتراف بأنه من قتل الإمام الحسين عليه السلام.. وأنا في هذا أقسم ولا أمزح».
بالمناسبة قضی شاب آخر من عشيرة البطاوي قبل أسابيع أيضا بسبب التعذيب المفرط، کما قضی شاب آخر من البصرة لنفس السبب وبعد 48 ساعة من احتجازه خطأ بسبب تشابه الأسماء، هذا ما نعلم به.. لکن الفاجعة أکبر من ذلک بکثير؛ حيث يقضي خلف القضبان ولسنوات طويلة الآلاف من الشباب الأبرياء الذين أخذوا بالشبهة محرومين من حقهم في الحرية والحياة الکريمة، والتقارير الأممية والوطنية والعربية حول ملف حقوق الإنسان في العراق خير دليل، وفضيحة ليث الدليمي شاهد حي، تم التستر عليها کما جرت العادة في مثل هذه الفضائح بتبديل لجنة التحقيق واختفت القضية بعد ذلک عن الأضواء، وسکت الإعلام المخطوف، وانشغلت اللجان المتخصصة في مجلس النواب بمسائل هامشية وتخلت عن حقوق الناس.
خمس سنوات مرت والحکومة العراقية تمنع ممثل المقرر الخاص ضد التعذيب من دخول العراق لتقصي الحقائق بصدد المئات من التقارير المقلقة التي وصلت مکتب المقرر حول التعذيب المنهجي اليومي في العراق، والسبب واضح ومعلوم.
والتعذيب في العراق بات يشکل فضيحة وعارا، بل مفارقة بسبب عدم انسجام مثل هذا السلوک الذي يطبع الأنظمة الشمولية بما فيها من سوء مع مواصفات ما نطلق عليه (العراق الجديد)؛ حيث نفترض احترام الحقوق المدنية وسيادة القانون والمؤسسات. وما کان ذلک ليحصل لو صمد قضاتنا أمام الترهيب والترغيب، لکن الذي حصل هو استجابة قضاة نافذون ومؤثرون لخدمة الحکم التسلطي وتکريس التحالف غير المقدس بين السلطة والثورة، وسهل ذلک إصدار أحکام جائرة أضرت بالعدالة وقوضت سمعة القضاء العراقي.
وهکذا، عندما يکون القضاء مسيسا، وعندما يتحيز القضاة ويفقدون استقلاليتهم وحياديتهم ونزاهتهم، وعندما يتخلی الإعلام الرسمي عن مهنيته ويصبح مطية قيادها بيد من يملک القوة والسلطة، هنا تغيب العدالة، وتضيع الحقيقة، ويشيع بدلها التدليس والکذب والتزوير، وبفضل ذلک تضيع الحقوق، ويصبح من السهولة بمکان أن يتحول المجرم إلی بريء، والبريء إلی مجرم، بجرة قلم.
وعلی هذه الشاکلة، لماذا لا يتحول سياسي معارض نذر نفسه للسلام بين عشية وضحاها إلی متهم بترؤس عصابة للقتل والإرهاب؟ لماذا لا وقد حصل هذا فعلا في قضية استهدافي؟
بل هذا بالضبط هو الوضع الذي عليه بلدي في هذه الأيام، لذا ينبغي الحذر فيما نسمع أو نقرأ أو نشاهد. وانتظروا قصصا جديدة وروايات في جلسة المحاکمة المقبلة يوم التاسع من سبتمبر (أيلول) الحالي.







